04 Jan الصلح بين الزوجين عند الألبانيين

د/ تاج الدين يسليمي

كثير ما ينشأ الخلاف بين الزوجين، ويحدث الشجار بينهما، أو تظهر بوادر الشقاق والخصومة في تعاملهما، والعنجوهية في تصرفهما، وأحياناً يحدث ذلك من طرف أحدهما، سواء أكان ذلك من طرف الزوج أو طرف الزوجة، وخاصة في المرحلة الاولى من الزواج، وهذه الأغلب والشائع، لكن عدم الوفاق والخصومة لا يقتصر أن تحدث بين حادثي الزواج فحسب، بل الشقاق موجود ومنتشر أيضاً بين جميع مراحل الحياة الزوجية، فاذا ظهر بوادر الخصومة والشقاق بينهما، أو من أحدهما، فأول من يتصدى لهذه المشكلة هم أولياء أمورهم، الأب أو من يليه بعده، ثم العلماء والمشايخ والأئمة، فاذا لم تعط هذه المساعي أكلها، فقد يرفعوا هذه الخصومة والنزاع الى الهيئة العليا، وهي لجنة لشؤن الدينية، لدى احدى دور الافتاء، وأحياناً اذا فشلت كل هذه المحاولات يرفعوا القضية الى لجنة الافتاء التابعة للاتحاد الديني الاسلامي.

فالأقارب من أب أو أخ أو عم وغيرهم، أول ما يحسوا بوادر الشقاق، في غالب الأحوال ما يسارعوا الى الاصلاح بينهم، وفض النزاع، وإعادة الأمور إلى طبيعتها، ورأب الصدأ بينهما، ويبذلون قصارى جهدهم في اعادة الحياة الزوجية الى المحبة والود والسكينة. فيبينون للأطراف المعنية، وهم هنا الزوجين أو أحدهما، وما هي فضائل الزواج، وأهدافه، وغايته، وفوائده، وكذا العواقب الوخيمة ان استمرا على ما هماعليه من الخصومة، والنزاع. فان وفقوا في ذلك فقد حصلوا على مبتغاهم، والا طلبوا حل المشكلة من غيرهم.

أما دور العلماء والمشايخ والأئمة في الصلح بين الزوجين، فدور هام ولا يُنكر ذلك، فنشاطهم لا يقتصر فقط بعد دب الخلاف بينهما فحسب، بل لهم دور قبل ذلك، أي قبل عقد الزواج، فكلما سنحت لهم الفرصة، في دروسهم ومواعظهم، في منابروكراسي المساجد، في المجالس المختلفة، وفي وسائل الأعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة، وكذا في وسائل التواصل الاجتماعي، في كل ذلك يقومون ببيان وشرح الامور التي تتعلق بالزواج، من الصفات المطلوبة والمرغوبة في كل من الخاطب والمخطوبة، وشروط الزواج وأهدافه، وواجبات كل واحد منهما تجاه الآخر، كل ذلك أملاً أن يتم عقد القران على النهج الإسلامي، وتكون العلاقة الزوجية مبنية على المحبة والود والاحترام المتبادل بينهما.

ففي حال حدث سوء التفاهم بين الزوجين، يقوم العلماء بدور هام في الصلح بينهما، فاذا طُلب من أحد الشخصيات الدينية أو الأئمة بقيام بوساطة، فانه لا يتوانى في ذلك، بل يتوسط بكل سرور ورحب، ولا يتصدى فقط إذا طُلب منه، بل كثيراً ما يقوم بغير طلب، بمجرد ما يفهم ان في محيطه، أو محلته، أو أحد معارفه فيه مشكلة بين الزوجين أو مشكلة أخرى، فيهرع الى حيث المشكلة، يدلي بكل ثقله في سبيل حل المعضلة.

العلماء بطبيعة الحال، حال التقى بهما أو أحدهما، يستعمل جميع الوسائل العلمية المتاجة له في سبيل الصلح، في البداية يوعظ الأطراف المتنازعة، ينصح بالصبر والتعقل، يوصي بالتقوى والخوف من الله تعالى، ويبين أن لكل منهما الحقوق والواجبات، وأن نتائج الشقاق والكبر والعناد، يؤدي إلى ما لا يُحمد عقباه، يؤدي الى أبغض الحلال، ومن ثم الى ضياع الأطفال.

وقد أثبت الواقع أن طريقة التي يتبعها العلماء في هذه المناطق لحل المشاكل العائلية ناجحة الى حد كبير، فكم من عائلة عاد بعد الشقاق الى الوفاق، وبعد الفرقة الى الوئام، وبعد العداوة الى المحبة والود، انها طريقة ناجعة بكل المقاييس، ان قيام علماء الشريعة الاسلامية بعملية الصلح كان سبباً للم الشمل لكثير من العائلات الضائعة في متاهات الكبر والعناد، واللاهثة وراء السراب والأماني الموهومة الكاذبة.

فقد جرت العادة في أوساط الشعب الالباني، أن لحل المشاكل العائلية، وخاصة تلك التي تتعلق بمشاكل الزوجين، أنهم يتوجهون الى أئمة المساجد، والقائمين بشؤون الأمور الدينية، والسبب في ذلك هو، أن الائمة والعلماء هم الذين يقومون بعقد النكاح الشرعي، فجميع الأئمة بجانب أنهم مكلفون بمزاولة الأعمال المتعلقة بوظيفتهم، فهم أيضاً مكلفون بعقد النكاح بين المسلمين في محيط دائرة منطقتهم، أو محلتهم، وقد نص دستور الاتحاد الديني الاسلامي في جمهورية مقدونيا أن كل إمام مكلف بوظيفة ومهمة عقد القران ما بين المسلمين، لذا فاذا حدث أي سوء التفاهم أو المنازعة بين الزوجين، فأهل الزوجين في غالب الأحوال يتوجهون الى الشخص الذي كان قد قام بعقد هذا النكاح، لكن ليس بالضرورة دائماً أن يقوم بالنظر في القضية المتنازعة نفس الشخص الذي قام بعقد النكاح، فقد يقوم إمام آخر أو عالم من العلماء بالنظر في القضية.

وأحياناً قد تُرفع القضية، والخصومة الى اللجنة المختصة بالنظر في المسائل والشؤون الدينية المشكلة من قِبل احدى دوائر الافتاء، فاذا حدث الشقاق وعدم الوفاق بين الزوجين، ولم يستطع أهلهما أو إمام المحلة أو عالم من العلماء أن يصلح بينهما، وأراد الزوجين أو أحدهما أن يرفع القضية مباشرة الى اللجنة، أو لسبب آخر، ففي هذه حالة يقوم الزوجان أو أحدهما بتقديم طلب الى اللجنة يطلب فيه النظر الى قضيتهم، فاللجنة مكونة من ثلاثة أعضاء، رئيس وعضوين، بعد قبول الطلب، يعين تاريخ انعقاد الجلسة للنظر في القضية، أول ما يقوم به اللجنة هو، تقديم النصيحة لهما، ثم تحاول الصلح بينها، فاذا فشلت اللجنة بالصلح ينظر في القضية، فيستمع الى أقوالهم، ثم بناءً على أقوالهم يبين أحكام الشريعة الاسلامية فيها.

وأعلى هيئة للنظر في شؤون الدينية، والنظر في الخصومات والمنازعات لدى الاتحاد الديني الإسلامي هي: لجنة الإفتاء. فهذه اللجنة تقوم بالإجابة عن الأسئلة مقدمة اليها، والنظر في المشاكل التي تحدث فيما بين المسلمين.

Comments are closed.